01-09-2008, 02:37 PM
|
رقم المشاركة : 17 (permalink)
|
معلومات
العضو | | | | إحصائية
العضو | | | | ما لكم لا ترجون لله وقاراً من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره ، فإنك توقر المخلوق وتجله أن يراك في حال لا توقر الله أن يراك عليها، قال تعالى: «ما لكم لا ترجون لله وقاراً» سورة نوح : الآية رقم :13 أي لا تعاملونه معاملة من توقرونه، والتوقير: العظمة. ومنه قوله تعالى : «وتوقروه» ، قال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرونه؟! قال مجاهد: لا تبالون عظمة ربكم وقال ابن زيد : لا ترون لله طاعة . وقال ابن عباس : لا تعرفون حق عظمته. وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته وحدوه وأطاعوه وشكروه، فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب . ولهذا قال بعض السلف : ليعظم وقار الله في قلب أحدكم أن يذكره عندما يستحي من ذكره ، فيقرن اسمه به كما تقول : قبح الله الكلب والخنزير والنتن ونحو ذلك ، فهذا من وقار الله. ومن وقاره ألا تعدل به شيئا من خلقه ، لا في اللفظ ، بحيث تقول : والله وحياتك ، ما لي إلا الله وأنت ، وما شاء الله وشئت . ولا في الحب والتعظيم والإجلال ، ولا في الطاعة ، فتطيع المخلوق في أمره ونهيه كما تطيع الله ، بل أعظم ، كما عليه أكثر الظلمة والفجرة ، ولا في الخوف والرجاء . ويجعله أهون الناظرين إليه ، ولا يستهين بحقه ويقول: هو مبني على المسامحة ، ولا يجعله على الفضلة ، ويقدم حق المخلوق عليه ، ولا يكون الله ورسوله في حد وناحية ، والناس في ناحية وحد ، فيكون في الحد والشق الذي فيه الناس دون الحد والشق الذي فيه الله ورسوله ، ولا يعطي المخلوق في مخاطبته قلبه ولبه ويعطي الله في خدمته بدنه ولسانه دون قلبه وروحه ، ولا يجعل مراد نفسه مقدما على مراد ربه. فهذا كله من عدم وقار الله في القلب ، ومن كان كذلك فإن الله لا يلقي له في قلوب الناس وقارا ولا هيبة، بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم، وإن وقروه مخافة شره فذاك وقار بغض لا وقار حب وتعظيم . ومن وقار الله أن يستحي من اطلاعه على سره وضميره فيرى فيه ما يكره . ومن وقاره أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر الناس. والمقصود أن من لا يوقر الله و كلامه و ما آتاه من العلم و الحكمة كيف يطلب من الناس توقيره وتعظيمه؟! القرآن و العلم و كلام الرسول صلى الله عليه وسلم صلات من الحق وتنبيهات و روادع و زواجر واردة إليك، والشيب زاجر ورادع وموقظ قائم بك، فلا ما ورد إليك وعظك! ولا ما قام بك نصحك! ومع هذا تطلب التوقير والتعظيم من غيرك! فأنت كمصاب لم تؤثر فيه مصيبته وعظا و انزجارا، وهو يطلب من غيره أن يتعظ و ينزجر بالنظر إلى مصابه. فالضرب لم يؤثر فيه زجرا وهو يريد الانزجار ممن نظر إلى ضربه. من سمع بالمثلات والعقوبات والآيات في حق غيره ليس كمن رآها عيانا في غيره، فكيف بمن وجدها في نفسه؟ «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم» سورة فصلت : الآية رقم :53 ، فآياته في الآفاق مسموعة معلومة ، وآياته في النفس مشهودة مرئية ، فعياذا بالله من الخذلان. قال تعالى: «إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم» سورة يونس : الآية رقم :96-97 ، وقال : «ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » الأنعام : الآية رقم :111 و العاقل المؤيد بالتوفيق يعتبر بدون هذا ويتمم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله، فكلما امتحى من جثمانه أثر زاد إيمانه أثر، وكلما نقص من قوى بدنه زاد في قوة إيمانه ويقينه في الله والدار الآخرة، وإن لم يكن هكذا فالموت خير له؛ لأنه يقف به على حد معين من الألم والفساد، بخلاف العيوب والنقائص مع طول العمر ، فإنها زيادة في ألمه وهمه وغمه وحسرته ، وإنما حسن طول العمر ونفع ليحصل التذكر والاستدراك واغتنام الغرض والتوبة النصوح كما قال تعالى: «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر» فاطر : الآية رقم : 37 فمن لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معايبه وتدارك فارطه واغتنام بقية أنفاسه فيعمل على حياة قلبه وحصول النعيم المقيم، وإلا فلا خير له في حياته، فإن العبد على جناح سفر إما إلى الجنة وإما إلى النار. فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم واللذة، فإنه كلما طال السفر إليها كانت الصبابة أجل وأفضل ، وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولا له إلى أسفل . فالمسافر إما صاعد وإما نازل ، وفي الحديث المرفوع: «خيركم من طال عمره و حسن عمله، وشركم من طال عمره و قبح عمله» رواه الترمذي و الدارمي وابن حنبل . فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه، وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته، وكلما منع شيئا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته. فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته أن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده، كان رحمة به وخيرا له وإلا كان حرمانا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة أو ترك واجب ظاهر أو باطن، فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة، وبالله التوفيق. | |
|
| | |