M تُثار العديد من الشبهات حول المعاملات فى سوق الأوراق المالية (البورصة) ولا سيما وأن بعض هذه المعاملات قد نقلت من الأسواق العالمية التى لا تلتزم باحكام الشريعة الإسلامية ، ومن بين هذه الشبهات ظاهرة التلاعب لتحريك المعاملات أو لزيادة الطلب على ورقة مالية معينة أو غير ذلك uــ الشروط الواجب توافرها فى سوق الأوراق المالية من منظور إسلامى يقوم النظام الاقتصادى السليم على وجود سوق مال حرة نظيفة من الاحتكار والغش والغرر والكذب والتدليس والمقامرة ، ويتوافر فيها مجموعة من الشروط منها : حرية المعاملات ، والمنافسة المشروعة ، ونقل المعلومات الصادقة الأمينة ، ويحكم المتعاملين فيها مجموعة من القيم والأخلاق والسلوكيات المستقيمة والحنكة والخبرة والرشد .. ففى ظل ذلك تؤدى السوق وظائفها المنشودة ويحقق النظام الاقتصادى مقاصده المرجوة ، وعندما يشوب السوق المالية الاحتكار والغش والكذب والميسر وتُفرض عليها القيود ، وتُخفى عنها المعلومات الصادقة والأمينة ، وتحركها الشائعات الكاذبة فإن هذا يؤدى إلى تقلبات فى المعاملات وتحدث الفوضى وتُفقد الثقة . ومن أخطر ما يهدد استقرار السوق المالية (البورصة) فى دول العالم الآن هو غياب المعلومات الصادقة الأمينة وانتشار الشائعات الكاذبة التى من مآربها أكل أموال الناس بالباطل ، وأصبح المتعارف عليه فى المعاملات فى تلك الأسواق هو التعامل بالشائعات ، ويمشى المتعاملون وراءها فإذا قيل لهم أن السعر سوف يرتفع مشوا واشتروا ، وإذا قيل لهم أن السعر سينخفض مشوا وباعوا بأى سعر وانصرفوا ، ويترتب على هذه الشائعات تقلبات لا تمت إلى الحقيقة بأى صلة ويقود ذلك وغيره إلى أضرار جسيمة بالمتعاملين وبالسوق وبالأوراق المالية موضوع الإشاعات ، وهذه الظاهرة تثير العديد من التساؤلات من بينها : ما حكم الشريعة الإسلامية فى التداول والمضاربة فى سوق الأوراق المالية بالشائعات ؟ . فى هذه الدراسة المختصرة سوف نعرض معنى الشفافية (المصداقية) ، ومفهوم الشائعات الكاذبة ، وبيان أثرهما على آلية المعاملات فى سوق الأوراق المالية ، وما هى الإجراءات لوقفها أو الحد من آثارها وذلك فى ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية . u ــ وجوب المصداقية والشفافية فى المعاملات فى سوق الأوراق المالية يؤكد علماء الاقتصاد الإسلامى على ضرورة توافر المعلومات الصادقة الأمينة عن المعاملات فى الأسواق ، وكلما كانت هذه المعلومات صادقة وأمينة وسريعة ودقيقة ، كلما استقرت المعاملات فى السوق وتحقق السعر العدل ، ويجب على الأجهزة الحكومية المشرفة على أسواق الأوراق المالية تزويد المتعاملين وغيرهم بهذه المعلومات بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة ، كما يساهم الاستقرار السياسى السليم الحر القائم على الديموقراطية فى تحقيق الشفافية حتى لا تنتشر الشائعات والتى يترتب عليها تقلبات غير محسوبة وضياع الثقة فى المعاملات ، كما أن من مسئولية أجهزة الحكومة التدقيق والمراقبة على صحة المعلومات السائدة ، وتصويبها ونشر الصدق ودحض الكذب ، وهذا هو الواجب المأمول والمنشود !!! ولقد كان الإسلام فضل السبق فى التأكيد على فرضية توافر المعلومات الصادقة الأمينة عند التعامل فى الأسواق بصفة عامة ، وفى مجال الأسواق المالية بصفة خاصة ، ولهذا المبدأ أدلته من القرآن والسُنة والفقه الإسلامى ، فيقول الله U : }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ {[التوبة:119] ، ويقول الرسول r : p التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء i[رواه الترمذى] ، كما يقول الرسول r فى حديث آخر : p البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما i[متفق عليه] ، ويؤكد الفقهاء على أن أى عقد بُنِىَ على معلومات مضللة فهو باطل أو فاسد حسب الأحوال . ولقد حرمت أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية مجموعة من البيوع لأنها تقوم على إخفاء المعلومات الصحيحة عن المتعاملين مثل : (لا يبيع الحاضر للبادى ) ، (ولا تلقى الركبان ) ، حيث كان التجار من الحضر يخرجون خارج السوق ويقابلون القادمين من البدو ويحجبوا عنهم المعلومات عن السوق وفى هذا غرراً وجهالة ، فعن أبى هريرة t انه قال : نهى رسول الله r أن يبيع حاضر لباد i[رواه الترمذى] ، p ونهى كذلك عن تلقى الركبان i[رواه البخارى] . ولقد كان من وظائف نظام الحسبة فى الإسلام الرقابة على الأسواق للتأكد من أن المتعاملين يلتزمون بالصدق والأمانة والشفافية فى المعلومات ، وكانت للمحتسب فى الأسواق سلطات توقيع العقوبة على المخالفين ، وبذلك حقق السوق فى الإسلام مقاصد الشريعة الإسلامية . uــ الآثار السيئة للتلاعب بالشائعات فى سوق الأوراق المالية من الشوائب والمخالفات التى تسود معظم المعاملات فى الأسواق المالية ولا سيما فى الدول المتخلفة انتشار المعلومات الكاذبة ، وافتعال شائعات لا أساس لها من الصحة بهدف إحداث تأثير معين على المتعاملين ، وتحقيق من وراء ذلك مغانم بدون وجه حق ، ويظهر ذلك واضحاً فى سوق الأوراق المالية (البورصة) حيث تنتشر إشاعات بأن سهم شركة كذا سوف يصعد حتى يرتفع ثمنه بهدف خلق طلب مفتعل ويرتفع ثمنه مؤقتاً فيقوم بعض المتعاملين بالبيع ، ثم بعد فترة وجيزة تظهر الحقيقة وأن هذا كان إشاعة كاذبة فينخفض السعر مرة أخرى وهذا من نماذج التدليس وأكل أموال الناس بالباطل الذى نهى عنه الإسلام ، وشائعة أخرى قد تُثار أن هناك خسارة محتملة فى شركة كذا وهذا سوف يؤدى إلى انخفاض سعر أسهمها ، مما يجعل المتعاملون يهرولون إلى بيع أسهم هذه الشركة فينخفض سعرها ، ويترتب على ذلك خسارة فادحة لبعض المتعاملين وضرراً بالشركة وخللاً فى السوق ، وهذا كله مبنى على إشاعات كاذبة تسبب أضراراً فادحة بالاقتصاد القومى ، ومن نماذج الإشاعات كذلك انتشار خبر أن بنك كذا سوف يفلس لأن أحد عملائه أخذوا منه مليارات وهربوا ، فيؤدى هذا إلى انخفاض سعر أسهمه ، فيهرول الناس إلى سحب ودائعهم من البنك وبيع أسهمهم بأى سعر ، فينهار .. وهذه الإشاعات الكاذبة تسبب ضرراً على الاقتصاد القومى . uــ حرمة التلاعب بالشائعات فى ضوء أحكام الشريعة الإسلامية لقد حرَّم الإسلام الشائعات الكاذبة بكل صورها ، وأمر المسلمين بالتبين والتأكد من صحة المعلومات التى ترد إليهم ، ودليل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ {[الحجرات:6] ، وتشير هذه الآية إلى ضرورة التحقق من صحة المعلومات للإطمئنان من مصداقيتها حتى لا يترتب على ذلك أضراراً كثيرة ، والدليل من السُنة النبوية الشريفة هو قول الرسول r : p أربعة يبغضهم الله : البياع الحلاف ، والفقير المختال ، والشيخ الزان ، والإمام الجائر i[رواه النسائى وابن حبان] ، وفى حديث آخر يقول الرسول r : p ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : أُشيمط زان ، وعائل متكبر ، ورجل جعل الله بضاعته ، لا يبيع إلا بيمينه ، ولا يشترى إلا بيمينه i[رواه الطبرانى] ، ونهى رسول الله r المتعاملين عن الحلف الكذب ، فقال r : p إن التجار هم الفجار ، قالوا : يا رسول الله أليس الله أحل البيع ؟ ، قال : بلى ، ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون i[رواه أحمد والحاكم والطبرانى] ، ويؤكد الرسول r هلى حرمة الحلف الكذب وأن هذا من الكبائر التى نهى الله عنها ، فيقول r : p ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أخذ ، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقطع بها مال امرئ مسلم ، ورجل منع فضل ماء ، فيقول الله يوم القيامة : اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ما لم تعمل يداك i[رواه البخارى] uــ بيوع محرمة فى سوق الأوراق المالية : يجب تجنبها من البيوع والمعاملات فى سوق الأوراق المالية والتى حرمتها الشريعة الإسلامية على سبيل المثال : البيوع على المكشوف ، والتعامل بالاختيارات ، والتعامل على المؤشرات ، وما يشتق عن تلك المعاملات ، ولقد حَرَّم الفقهاء مجموعة من المعاملات لأنها تقوم على الشائعات الكاذبة والمعلومات المضللة والغرر والجهالة والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل ، من هذه المعاملات على سبيل المثال : بيع المعدوم ، وبيع محجوز التسليم ، والبيوع التى تتضمن الغرر الفاحش ، وبيع الثمار قبل أن تخلق أو يبدو صلاحها ، وبيع المجهول والبيع المعلق على شرط مضاف إلى المستقبل ، وبيع النجش وهو الزيادة المفتعلة فى السعر بالتواطئ مع البائع ونشر معلومات مضللة ، وبيع الحاضر للبادى وتلقى الركبان ، ومن علل تحريم هذه البيوع والمعاملات أنه تقوم على معلومات مضللة وشائعات كاذبة وتسبب ضرراً بالمتعاملين وخللاً بالأسواق ، وهذا ما يحدث فى معظم المعاملات فى سوق الأوراق المالية ويجب تجنبه تماماً حتى لا تقع فى الحرام ، ولقد أكد على ذلك رسول الله r فقال : p إنما uــ المنهج الإسلامى لعلاج ظاهرة التلاعب بالشائعات فى سوق الأوراق المالية ولقد وضع فقهاء وعلماء الاقتصاد الإسلامى مجموعة من المبادئ والأحكام لعلاج ظاهرة التلاعب بالشائعات فى سوق الأوراق المالية ، من أهمها ما يلى : vـ وضع لائحة شرعية [دستور معاملات إسلامى] تضبط المعاملات فى السوق تُحرِم وتُجرِم المعاملات التى تحتوى على المقامرات والمضاربات الوهمية وغيرها من التى لا تجيزها الشريعة الإسلامية . vـ تفعيل نظم الرقابة والمتابعة الحكومية على المعاملات فى سوق الأوراق المالية والاطمئنان إلى صدق المعلومات وشفافيتها وإزالة كل صور الضباب المفتعلة الناجمة عن حجب المعلومات الصادقة الأمينة . vـ إنشاء نظام متكامل للمعلومات يقوم على تشغيله أناس ممن تتوافر فيهم القيم والأخلاق والسلوكيات السوية والخبرة والحنكة . vـ توقيع العقوبات الرادعة للفئات المسيطرة على المعاملات فى سوق الأوراق المالية والتى تعتبر مصدر الإشاعات الكاذبة والتى تفسد المعاملات ، وتسرق أموال الناس بالباطل ، ولا يردعها إلا الأحكام الشرعية ، لأنهم من فئات الذين يفسدون فى الأرض ويبغونها عوجا . vـ تطبيق الصيغ الإسلامية للتعامل فى سوق الأوراق المالية والتى أجازتها مجامع الفقه الإسلامى العالمية . uــ خلاصة القول فى علاج ظاهرة التلاعب بالشائعات فى الأسواق : الإسلام هو الحل لقد صدق الله سبحانه وتعالى القائل فى كتابه العزيز : }فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُـدَايَ فـَلا يَضِـلُّ وَلا يَشْقَى ~ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْـرِي فَـإِنَّ لَــهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى{[طـه:123 ـ 124] ، فمن أسباب الفساد فى سوق الأوراق المالية هو البعد عن تطبيق شرع الله U ، ألم نأخذ من ذلك الضلال الذى نعيشه العبرة ونرجع إلى الطريق المستقيم ؟ ، ولنستشعر قول الله U : } أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ{[الحديد:16] . فنحن جميعاً والعالم معنا فى حاجة إلى تطبيق شريعة الإسلام ففيها العلاج الشافى لمشاكلنا المعاصرة ، فإلى الإسلام يا من تريدون تطهير المعاملات المالية من الإشاعات الكاذبة التى تؤدى إلى أكل أموال الناس بالباطل ، إلى الإسلام يا من تريدون سوقاً مالية إسلامية (بورصة) خالية من الشائعات والمقامرات . نعم : الإسلام هو الحل
والحمد لله الذى يقول الحق وهو يهدى السبيل وبنعمته تتم الصالحات