القضيه الفلسطينيه خاص فقط بطرح الموضوعات الخاصه بالقضيه الفلسطينيه لنتحد كعرب ونظهر لغير العرب اننا اتحاد وانا قوه بأذن الله ولنتناقش فى كل ما يخص المسجد الاقصى المبارك وما هوا عليه الان من استهانه به منا نحن كعرب مسلمين فى حق هذا المسجد المبارك
تعرضت القدس وفلسطين في مطلع القرن الرابع عشر الهجري للغزو الصهيوني. وبفعل هذا الغزو بدأ الوجود الصهيوني الاستعماري فيها وفي الوطن العربي. وقد مر هذا الغزو بمراحل متتالية على مدى قرون بطولة.
بدأ الغزو الصهيوني في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، وعاصر آخر موجة كبرى من موجات الاستعماري الأوروبي الحديث، وهي الموجة المدارية. وقد شهدت سنة 1772 م قدوم أول موجة من موجات الهجرة اليهودية المنظمة من أوروبا الشرقية. ولذا فقد اعتبرها المؤرخون الصهاينة سنة البداية.
كانت فلسطين آنذاك تحت حكم الدولة العثمانية التي أطلقت عليها دول أوروبا الاستعمارية اسم الرجل المريض. وكانت فلسطين تقع ضمن ولايات الشام ويقطنها شعب فلسطين العربي الذي كان عدده آنذاك دون المليون نسمة. وكانت غالبية هذا الشعب تدين بالإسلام، وفيه من يدين بالمسيحية، وفيه أيضا حوالي اثنا عشر الفا يدينون باليهودية. وقد تألف هؤلاء من يهود عرب فلسطينيين قطنوا منذ القديم ويهود اوروبيين قدموا إلى فلسطين منذ أوائل القرن التاسع عشر. وعاش هؤلاء جميعا في كنف التسامح الذي اتسم به العيش في الأراضي المقدسة إبان الحكم الإسلامي لها.
استمرت المرحلة الأولى من الغزو الصهيوني حمسا وثلاثين سنة حتى أواخر سنة 1917 م السنة التي احتلت فيها بريطانيا فلسطين ودخل اللورد اللنبي القدس . وخلال هذه المرحلة اصدر هرتزل الصهيوني كتاب "الدولة اليهودية" عام 1895. ودعا إلى عقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بال بسويسرا عام 1897 م وبلور مخططات الحركة الصهيونية.
وقد اخذ التهجير الصهيوني إلى فلسطين اثناء هذه المرحلة صورة التسلل لأن الدولة العثمانية لم تسمح به رسميا. واستغل الفساد الإداري في أجهزة الدولة للنفاذ وبلوغ أهدافه. ونشير هنا إلى محاولات هرتزل التي اجراها مع السلطان عبد الحميد الثاني من أجل أن يحصل على اذن منه بالتهجير واقامة وطن قومي للصهيونية في فلسطين، وفشلت هذه المحاولات أمام موقف السلطان الداعي لابعاد الخطر الصهيوني، كما نشير هنا إلى تحركات هرتزل مع دول أوروبا الاستعمارية لبناء تحالف صهيوني استعماري معها.
وقد انعقدت مؤتمرات صهيونية تالية في هذه المرحلة وشهدت نقاشا حول المكان الذي يمكن أن يقوم فيه الوطن القومي. واستقر الرأي على فلسطين العربية. استطاعت الحركة الصهيونية أن تهجر في هذه المرحلة حوالي خمسين ألف يهودي جلهم من أوروبا الشرقية. ويطلق المؤرخون الصهاينة على مهاجري هذه الرحلة اسم "الرواد" تشبيها لهم بالمستعمرين البيض الأوائل لامريكا. ومن هؤلاء المهاجرين دافيد بن غوريون الذي قدم مع موجة عام 1904 م.
واستطاعت الحركة الصهيونية أن تستولي على حوالي 1% من أراضي فلسطين بشرائها بأساليب ملتوية من عائلات غير فلسطينية كانت تقيم خارج فلسطين. وبلورت الحركة الصهيونية في نهاية هذه المرحلة صلتها بالاستعمار العالمي فنقلت مركزها من اوروبا الشرقية إلى بريطانيا وتحالفت مع الاستعمار البريطاني الطامع بالسيطرة على فلسطين الوطن العربي، ورسمت معه ومع الاستعمار الفرنسي خطوط الحدود التي قامت فيما بعد بين فلسطين وأجزاء بلاد الشام الأخرى لبنان وسوريا وشرق الاردن، وذلك في معاهدة ساياحلا موقعاحلا موقع-بيكو عام 1916م.
كانت الظروف الدولية مواتية لهذا الغزو الصهيوني. فقد بدأ بعد فترة قصيرة من انعقاد مؤتمر برلين سنة 1878. الذي جاء في اعقاب الحرب بين روسيا والدولة العثمانية وشهد حوار الدول الاوروبية حول اقتسام مناطق النفوذ في الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم غير الأوروبي عموما. وكانت أوروبا تعيش آنذاك ذروة نشاطها الاستعماري الذي اقترن بحدوث الثورة الصناعية فيها. وقد هيمنت على مقدرات أوطان وأمم في مختلف القارات.
واشتد التنافس الاستعماري بين دول اوروبا في تلك الفترة. وواكبت بداية الغزو الصهيوني لفلسطين احتلال فرنسا لتونس عام 1881م واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 ثم للسودان عام 1896 وشهدت المرحلة الاولى من هذا الغزو الصهيوني الوفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا عام 1904م الذي مهد لتحالف الدولتين في الحرب العالمية الأولى ولابرام معاهدة ساياحلا موقعاحلا موقع-بيكو كما شهدت ايضا غزو ايطاليا لليبيا عام 1911م. وغزو فرنسا للمغرب عام 1912م.
وكان الوطن العربي قد تعرض منذ عام 1830م. للموجة الأولى من موجات الاستعمار العربي حين احتلت فرنسا الجزائر في ذلك العام، واحتلت بريطانيا عدن عام 1839م. ثم زحفت منها إلى سواحل الخليج. كما كانت عدة أقطار اسلامية قد وقعت في قبضة الاستعمار الغربي.
قاوم شعب فلسطين الغزو الصهيوني منذ أن بدا وعمل على عرقلة تقدمه جهد استطاعته. وقام بواجبه في تنبيه الامة العربية والعام الاسلامي لاخطار الصهيونية وقد روى بن غوريون في ذكرياته قصصا عن هذه المقاومة وكذلك فعلت الكتب الصهيونية التي أرخت لتلك الفترة. وحفظت سجلات مجلس المبعوثان خطب ممثلي شعب فلسطين التي انذرت بأخطار التآمر الصهيوني الاستعماري كما حفظت الوثائق العثمانية عموما تاريخ مقاومة شعب فلسطين.
وكانت فلسطين تشهد آنذاك مع بقية الاقطار العربية انتعاش حركة اليقظة فيها. وقد عملت هذه الحركة جاهدة منذ مطلع القرن الثالث عشر الهجري "القرن التاسع عشر الميلادي" لتحقيق التقدم دفع أخطار الاستعمار الاوروبي.
دخل الغزو الصهيوني لفلسطين مرحلة جديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فقد صدر تصريح بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى الحركة الصهيونية بالعمل على اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وجسد التصريح الذي صدر يوم 6 تشرين الثاني "نوفمبر" من عام 1917 التحالف بين الرحكة الصهيونية الاستعمارية وبين الاستعمار البريطاني. ومكن احتلال بريطانيا لفلسطين في كانون أول 1917م- أي بعد صدور التصريح وبعد تخليها عن التزاماتها تجاه العرب- الغزو الصهيوني من التغلغل في فلسطين.
وجاءت اتفاقيات الصلح في فرساي أثر انتهاء الحرب لتقسم بلاد الشام والهلال الخصيب وتفرض الانتداب البريطاني على فلسطين. ألزمت بريطانيا نفسها في صك الانتداب بتهيئة الأوضاع في البلاد لاقامة الوطن القومي اليهودي فيها.
استطاع التحالف الصهيوني الاستعماري خلال السنوات التي عانت فلسطين فيها من الانتداب البريطاني أن يهجر مئات الألوف من يهود أوروبا إلى فلسطين العربية خصوصا في الثلاثينيات التي شهدت ظهور النازية في ألمانيا. كما استطاع هذا التحالف أن يغتصب حوالي %5.5 من أراضي فلسطين الخصبة بأساليب التسلط المعلن والترهيب الاستعماري. وهكذا ارتفع عدد اليهود في فلسطين من حوالي خمس وستين ألفا كانوا في بداية الاحتلال البريطاني إلى حوالي ستماية وخمسين ألف في نهايته عام 1947 بينما بلغ عدد شعب فلسطين آنذاك مليونا ونصف.
كان الاستعمار الاوروبي قد أكمل سيطرته على غالبية أجزاء الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وغالبية أجزاء العام الاسلامي. واشتدت مقاومة العرب ومقاومة الشعوب الاسلامية لهذا الاستعمار في جميع هذه الاجزاء، ومنها فلسطين التي شهدت انتفاضات وثورات على مدى العشرينات والثلاثينات بلغت ذروتها عام 1946 وحتى عام 1939. وفرضت هذه المعاومة على بريطانيا نوعا من التراجع اكثر من مرة ثم نشبت الحرب العالمية الثانية فطرحت معطيات جديدة على الصعيد الدولي. وتكيفت الحركة الصهيونية مع هذه المعطيات فنقلت مركز ثقلها إلى الولايات المتحدة التي برزت خلال الحرب العالمية وبعدها زعيمة للغرب.
وقد طرحت خلال هذه المرحلة ومنذ عام 1937 فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. وصدر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني "نوفمبر" 1947م، قرار التقسيم وسط ضغوط التحالف الاستعماري الصهيوني، فأعطى هذا القرار للدولة اليهودية اضعاف المساحة التي اغتصبتها الحركة الصهيونية من أرض فلسطين واكثر من نصف مساحة البلاد الكلية. ويلفت النظر بأن جل المهاجرين اليهود حتى نهاية هذه المرحلة كانوا من يهود اوروبا، الامر الذي ينسجم مع حقيقة أن الغزو الصهيوني في نشأته هو غزو استعماري استيطاني اوروبي. ويلفت النطر أيضا قيام المستوطنين الصهاينة بعد اصدار بريطانيا للكتاب الابيض عام 1939 بعمليات ضد سلطة الانتداب نظمتها بعض منظماتهم الارهابية.
وقد اطلقوا على هذه العمليات اسم حرب الاستقلال ووصفوها بانها حركة تحرير ليركبوا موجة التحرير التي عمت منذ الحرب العاليمة الثانية قارتي آسيا وافريقيا، وليصطنعوا تاريها يغطي حقيقة التحالف الصهيوني مع الاستعمار البريطاني وكان هذا الكتاب الابيض قد نص على تحديد الهجرة اليهودية لفلسطين في أعقاب شعب فلسطين.
دخلت الغزوة الصهيونية مرحلة التغلغل هذه مع انتهاء الحرب العالمية الاولى في وقت اشتد تكالب اوروبا فيه على الاتعمار. ولكن الحرب غيرت في صورة القارة الاوروبية ومهدت لظهور المذاهب الجمعية فيها، وفرضت اعلان مبادئ حق تقرير المصير والسلام. وقد انعقد مؤتمر فرساي عام 1919 في أعقاب الحرب فجاءت قراراته ضربة موجعة لتلك المبادئ.
وشهد المؤتمر حوار دول الغرب حول اقتسام مناطق النفوذ والمستعمرات تحت اسم الانتداب أو الوصاية. وهكذا مكن الانتداب البريطاني الغزوة الصهيونية من التغلغل في فلسطين، وتقاسمت بريطانيا مع فرنسا حكم غالبية اجزاء الوطن العربي بعد تجزئته. وكانت اوروبا في هذه المرحلة ما تزال تهيمن على مقدرات العارات الاخرى، وان برزت الولايات المتحدة الامريكية كقوة كبيرة إلى جانبها. وقد تعاظمت مقاومة الشعوب المستعمرة للاستعمار في تلك الفترة. وكان من امثلتها البارزة نضال شعب فلسطين العربي ونضال الشعوب العربية في بقية الوطن العربي. وظهرت أزمة القيم التي تعانيها الدول المستعمرة.
وانعاحلا موقعاحلا موقعت على تجربة عصبة الأمم. وهكذا تفجرت الحرب العالمية الثانية بعد عقدين من مؤتمر فرساي. ونلاحظ أن الغزوة الصهيونية استغلت هذا المناخ الدولي واثاره على السياسة الاوروبية لتتغلغل في فلسطين، والتقت مع النازية في اصطناع حملات الاضطهاد ضد اليهود في اوطانهم لبلوغ أهدافها في تهجيرهم. ونلاحظ أيضا أن النضال العربي دخل مرحلة جديدة في هذه الفترة، فبرز النضال الوطني الذي فرضه واقع تجزئة الاستعمار للوطن العربي، ويمكننا أن نرى بالنظرة الشاملة لحركات هذا النضال الوطني في مختلف الاقطار العربية أن كان متأثرا بحقيقة ترابط الامة العربية. وهكذا كانت الحركات تتجاوب عن بعد رغم التجزئة، ولقد نجح النضال العربي في أن يطرد الاستعمار من بعض هذه الاجزاء. وظهرت بوضوح موجة التحرير في الوطن العربي اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بدأ الغزو الصهيوني مرحلة جديدة عام 1948 بعد انسحاب بريطانيا من فليسطين وتسليمها اراض واسعة للحركة الصهيونية التي أعلنت قيام دولة اسرائيل. ونشبت في بداية هذه المرحلة حرب فلسطين التي يصطلح على اعتبارها الحرب الأولى في الصراع. وقامت الحركة الصهيونية بطرد حوالي مليون من أبناء فلسطين إلى الأراضي العربية المجاورة تنفيذا لمخططات الاستعمار الاستيطاني التي استهدفت احلال مستعمرين صهاينة حدد محلهم. وشهدت هذه المرحلة أثر ذلك تدفق موجات هجرة من يهود اوروبا أولا ثم من يهود الوطن العربي إلى فلسطين، وبلغ عدد الذين وفدوا حتى عام 1967 حوالي مليونين، فارتفع عدد سكان التجمع الاسرائيلي خلال مرحلة الغزو من ستماية وخمسين ألفا إلى حوالي مليونين ونصف متضاعفا أربع مرات. ومثل هؤلاء حوالي 13 % من اليهود في العالم. وتضاعفت أيضا مساحة الأراضي التي سيطر عليها الغزاة من خلال تسليم بريطانيا مساحات واسعة منها قبيل انساحبها وفقا لخارطة تقسيم 1947، ومن خلال تجاوز خطوط هذه الخريطة عام 1948 وتنفيذ اتفاقيات رودس عام 1949 واغتصاب مزيد من الأراضي العربية.
وهكذا سيطرت الحركة الصهيونية على أكثر من 70% من مساحة فلسطين الكلية ونجحت في احتلال بعض الأحياء الجديدة من القدس. واستطاع أبناء القدس من خلال مقاومة ضاربة حماية المدينة القديمة والأماكن المقدسة فيها.
وهكذا شملت المساحة التي استولى عليها الكيان الصهيوني كل فلسطين عدا قطاع غزة والضفة الغربية ومساحة صغيرة جنوبي طبرية. وقامت اسرائيل بشن حرب على مصر عام 1956 متواطئة مع بريطانيا وفرنسا في محاولة منها للتوسع فاحتلت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. ولكنها اضطرت إلى الانسحاب منها بعد فشل العدوان الثلاثي وحرب السويس. وكانت هذه الحرب هي الحرب الثانية في الصراع ودأبت اسرائيل قبل ذلك على القيام باعتداءات مستمرة على الضفة الغربية والقطاع وعلى الحدود السورية والمصرية.
نجحت الحركة الصهيونية خلال هذه المرحلة في إيجاد ما اسمته "اسرائيل الصغرى" "وشرعت تخطط لإيجاد إسرائيل الكبرى". وتغير تكوين المجتمع الإسرائيلي فلم يعد قاصرا على اليهود الأوروبيين، بعد أن هجرت الحركة الصهيونية إعدادا من يهود الوطن العربي إلى فلسطين. وان بقيت الهيمنة فيه للمستوطنين الأوروبيين. وبدأت أثار هذا التغير بالظهور تدريجيا. وقد وضح في هذه المرحلة طابع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني سواء في مفاهيمه العنصرية أو في أساليبه التوسعية. وتحلى أكثر مما تجلى في السياسة الإسرائيلية تجاه عرب فلسطين المحتلة الذين بقوا في أراضيهم والذين طردوا منها، واشتهرت من معالم هذه السياسة مذابح دير ياسين وقبية ونحالين وكفر قاسم، واغتصاب الأراضي، وسياسة التعليم، وتهجير العرب الفلسطينيين.
استجاب العرب لتحديات نكبة 1948 فدخل نضالهم ضد الغزو الصهيوني مرحلة جديدة. وحققت اليقظة في الوطن العربي انجازات كبيرة.
وتدفقت موجة التحرير في العالم الاسلامي فاستقلت شعوب اسلامية كثيرة. وكان لفشل العدوان الثلاثي أثره الكبير على دفع حركات التحرير في آسيا وافريقيا. وخاضت الأمة العربية وشعوب آسيا وافريقيا تجارب هامة في مجال التحول الاقتصادي والتعاون السياسي. الامر الذي أقلق التحالف الاستعماري الصهيوني وحفزه على ضرب هذا التقدم.
وظهر على الصعيد الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية علم جديد شهد حدوث الانقلاب النووي. وتعاظم في هذا العالم دور كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بعد أن خرجت أوروبا الاستعمارية من الحرب منهمكة.
وظهرت موجة التحرير الآسيوية الافريقية فساهمت في رسم خريطة العالم الجديد واذا كانت الدول الكبرى قد حاولت في مؤتمري يالتا وبوتسدام اللذين انعقدا عام 1945 رسم خريطة العالم فإن نضال الشعوب فرض تغييرات كثيرة على ما تم رسمه، وجعل من التحرير روح العصر.
وظهرت تجربة الأمم المتحدة التي جعلتها موجة التحرير تحتلف عن سابقتها. كان انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955 نقطة تحول في الصورة الدولية حيث انطلقت صيحة الدول المستقلة حديثا. وبرزت فكرة العالم الثالث واسهمت في تخفيف حدة التوتر بين المعسكرين.
وركزت الحركة الصهيونية على توثيق تحالفها مع الولايات المتحدة منذ أن تعاظم الدور الأمريكي في العالم.
واجه شعب فلسطين العربي في هذه ظروفا شديدة الصعوبة. فقد حلت به نكبة عام 1948، واحتلت اسرائيل أجزاء واسعة من وطنه، وفرض عليه هذا الاحتلال نزوح غالبيته الى الضفة والقطاع والبلاد العربية المجاورة. اهتزت مؤسساته وتصدع كيانه. وما أسرع ما أفاق من هول النكبة واستحاب لتحدياتها.
حقق على مدى هذه المرحلة صمودا يلفت النظر في مواجهة محاولات تصفية قضيته. أقل أبناؤه على نشر العلم وتلقيه وحقوا ثورة تعليمية حافظت على هويتهم كشعب. باشر محاولات جادة للكفاح المسلح وساهم في التصدي للاعتداءات الاسرائيلية وقاوم عرب فلسطين الذين بقوا في أراضيهم تحت الحكم الاسرائيلي أبشع صور العسف والاضطهاد وحافظوا على هويتهم الوطنية. كما قاوم أهالي غزة الاحتلال الاسرائيلي عام 1956. وتضافرت جهود أبناء فلسطين في عدد من أماكن التجمع لابراز الكيان الفلسطيني، فقامت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. وتفجرت الثورة الفلسطينية عام 1965، وبدات عملياتها ضد الاحتلال الاسرائيلي.
جاء قيام اسرائيل بشن حرب عام 1967 ايذانا ببداية مرحلة جديدة في الوجود الصهيوني الاستعماري في فلسطين والوطن العربي. فقد احتلت نهذه الحرب، التي هي الحرب الثالثة في الصراع، الضفة الغربية وقطاع غزة من أراضي فلسطين، والجولان من اراضي سوريا، وسيناء، من اراضي مصر. وضاعفت المساحة التي تسيطر عليها أربع مرات.
أصبحت اسرائيل تحتل مركزا استراتيجيا بالغ الخطورة. فقد جثمت قراتها على الضفة الشرقية لقناة السويس وساحل سيناء الجنوبي بين البحر المتوسط والبحر الاحمر في مواجهة دلتا النيل وواديه في مصر والسودان. وجثمت قراتها على طول الساحل الغربي لخليج العقبة وفي الجزر التي تتوسط مدخله في مواجهة شبه الجزيرة العربية، وعلى طول غور الاردن من رأس خليج العقبة حتى منابع نهر الاردن في مواجهة الضفة الشرقية للاردن ومن ورائه العراق والخليج، وعلى طول خط بين جبل الشيخ ورأس الناقورة في مواجهة سوريا ولبنان، وعلى طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط من رأس الناقورة حتى رأس العش شمال بورسعيد.
احتلت اسرائيل بهذه الحرب القدس الشرقية، وعملت على تهجير مزيد من يهود العالم إليها وإلى الاراضي العربية المحتلة. وشرعت في اقامة مستوطنات لهم في تلك الاراضي. وبدأت تتحدث عن "اسرائيل الكبرى" وتحكى عن "حدود التوراة" والحدود التاريخية في معرض الحديث عن "الحدود الدفاعية". وسيطرت على التجمع الاسرائيلي في هذه المرحلة مشاعر جنون العظمة والتفوق العنصري. وكان يمكن لهذه المشاعر أن يتفاقم تأثيرها لولا تصاعد مقاومة شعب فلسطين للاحتلال. ولولا تحرك النضال العربي في صورة حرب الاستنزاف التي ما أسرع أن نشبت ومارست اسرائيل تجربة استعمارية بشعة على أهالي فلسطين والجولان وسيناء فكشفت عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني العنصري في الحركة الصهيونية. وكان من جوانب هذه التجربة طرد وتشريد مزيد من العرب وفرص تهجير مدن بكاملها.
بقدر ما كان وقع خسارة حرب 67 شديدا على الأمة العربية بقدر ما قويت استجابة النضال العربي لتحدي هذه الحرب. فقد جابه بعزم العدوان الصهيوني فكانت حرب الاستنزاف. وتصاعدت مقاومة شعب فلسطين العربي التي استمرت بلا انقطاع منذ بداية الغزوة. واكتسبت أهمية بالغة وبخاصة بعد الانتصار الذي تحقق في معركة الكرامة عام 1968 وفرض حقيقة وجود شعب فلسطين على الصعيد الدولي. كان العالم يشهد في تلك الآونة تحولا في العلاقات التي تحكم دولة. فقد أحدثت سياسة التعايش السلمي في كل من المعسكرين تغيرات هامة. وعمدت العوى الاستعمارية إلى محاولة ضرب حركات التحرر. وجاء عدوان 1967 ليمثل ذروة هذه المحاولات. واشتد الصراع بين الدول النامية والدول الغنية وعمدت اسرائيل إلى خدمة مصالح الدول الاستعمارية وسياساتها في الوطن العربي والعالم الثالث. كما عمدت إلى تقوية تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبدت اسرائيل من خلال ممارستها تجسيدا لحقيقتها الاستعمارية الفريدة. "فهي ظاهرة استعمارية صرفة قائمة على الاغتصاب. وهي استعمار طائفي بحت أساسها التعصب الديني وهي استعمار عنصري مطلق بكل ما في العنصرية من استعلاء وتعصب واضطهاد ينطلق من اللون وزعم الشعب المختار. وهي قطعة من الاستعمار الاوروبي عبر البحار. وهي استعمار سكني توطني. وهي تجسيم للاستعمار المتعدد الأغراض السكني والاستراتيجي والاقتصادي. وهي استعمار توسعي يحلم بمجاله الحيوي. وهي استعمار من الدرجة الأولى والثانية معا بالاصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي".
رسم مسار الغزوة الصهيونية خلال هذه المراحل الأربعة خطا متصاعدا. ثم نشبت حرب رمضان عام 1973 فرضعت حدا لهذا التصاعد. وتابعت الثورة الفلسطينية نضالها على كل الصعد وخاضت على الصعيد العسكري معارك مشرفة، فحققت انجازات هامة على طريق ابراز الكيان الفلسطيني والاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية لشعب فلسطين. واحتدم الصراع العربي الاسرائيلي. وتزايد نزوع الحركة الصهيونية نحو التطرف في مواجهة النضال الفلسطيني، فركزت اسرائيل همها على اغتصاب القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
يمكننا أن نسجل عند هذا الحد ملاحظة عامة حول اتجاه الصراع الدائر فوق أرض فلسطين والذي يشمل بابعاده كامل الساحات العربية والاسلامية. وهي اننا نشاهد لاول مرة في تاريخ هذا الصراع بداية العد العاحلا موقعاحلا موقعي للغزو الصهيوني لفلسطين. واذا كان لهذا علائم كثيرة الا أن من هذه العلائم التغيير الهام الحاصل في المجال الدوبي بالنسبة إلى الدولة الاسرائيلية التي تعاني عزلة راحت تتزايد يوما بعد يوم، بينما أخذت القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والمكانة العربية والاسلامية عموما، تزداد تاثيرا في النطاق الدولي وقد انعاحلا موقعاحلا موقع ذلك بما أخذت تناله الحقوق الثابتة للسعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في العودة وتقرير المصير واقامة دولته المستقلة من اعتراف دولي شبه كامل، وبما راحت تحظى به منظمة التحرير من اعتراف دولي يتزايد يوما بعد يوم، وبما أصبح للأمة العربية والاسلامية، خصوصا عندما تتحد كلمتها من صوت مسموع ومهاب على مستوى دولي.
أن طبيعة الصراع الذي تخوضه امتنا مع العدو الصهيوني تعطي لهذا التغيير أهمية أساسية في تاثيره على مجرة الصراع ومستقبله. لان هذا الصراع لم يكن يوما صراعا محليا له أبعاد دولية، وانما هو صراع دولي تكثف ويتكثف على أرض فلسطين، فالغزو الصهيوني جاء من الخارج، وبدعم من الخارج، وقامت دولته واستمدت قوتها، وما زالت، من خلال دعم عالمي لا مجال لنكرانه والجدال فيه. ولهذا عندما يتأزم وضعها دوليا وتبدأ الرياح تجري في هذا الميدان على عاحلا موقعاحلا موقع ما تريده أشرعة سفينتها تكون قد فقدت ركنا أساسيا من أركان قوتها وحياتها. واذا ما صحب ذلك تصعيد في النضال الفلسطيني وتكريس للوحدة الوطنية الفلسطينية ومزيد من الدعم العربي والاسلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية، واذا ما صحبه تعزيز للتضامن العربي الاسلامي وتأكيد لارادة الأمة في تحرير القدس واحقاق الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وجهد دائم في مجال الاستعداد واعداد العدة عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، فسوف تميل كفة الميزان إلى مصلحة فلسطين والبلاد العربية الاسلامية وتبدأ الامور تأخذ موقعها الطبيعي ومسارها الحتمي الممارسات الإسرائيلية في القدس وموقف المجتمع الدولي
عبر النزوع إلى التطرف الكيان الصهيوني عن نفسه بصورة متميزة في الموقف الذي اتخذه من القدس، وجسدت الممارسات الإسرائيلية في المدينة المقدسة الأخطار الكبيرة التي يحملها هذا التطرف، وطرحت على العالم قضية القدس يهمنا أن نقف أمام بعض الحقائق المتعلقة بتلك القضية وبمسار هذه الممارسات ذلك أن القدس على الرغم من ارتباطها الذي لا ينفصم عن مجمل قضية فلسطين تحظى بأهمية خاصة لا جدال حولها. ومن ثم فان تسليط الضوء على قضية القدس لا يضعف ذلك الارتباط، بل يزيده وثوقا، لأن قضية القدس مركز قضية فلسطين. أو هي الحلقة الرئيسية التي تمسك ببقية حلقات المشكلة. ولا مبالغة في القول أن الإطلالة على الصراع الدائر في فلسطين لا تأخذ عمقها وشمولها وأبعادها المختلفة الا من خلال الاطلالة على الصراع الدائر حول القدس. وربما كان من أبرز الدلائل على هذه الحقيقة ذلك الاصرار الاسرائيلي في جعل القدس عاصمة الدولة وعنوان الوجود الصهيوني في فلسطين. ولم تجعل التصريحات الرسمية الاسرائيلية بما في ذلك تصريحات المعارضة مجالا للشك في الموقف من القدس. الموقف الذي يحمل العناوين التالية : تهجير عرب القدس الشرقية بمسلميهم ومسيحييهم، وتهويد القدس باحلال المستوطنين الصهاينة فيها، ومحو السمات العربية -الاسلامية للقدس من خلال تغيير ملامح المدينة، بمختلف جوانبها، أبنية وشوارع وجغرافية، وضمها إلى دولة اسرائيل بجزئيها الغربي والشرقي وجعلها العاصمة الأبدية للدولة. ومن ثم افقادها طابعها الديني الذي يخص الديانات السماوية الثلاثة، وهو الطابع الذي حافظت عليه السيادة الاسلامية والوجود العربي في القدس طوال أربعة عشر عرنا. فالتهويد لا يفقدها طابعها الديني الاسلامي - المسيحي فحسب وانما طابعها الديني اليهودي أيضا لأنه سيجلها مدينة سياحية غربية الطابع تحتوي على اثار قديمة لا مدينة الحج والتاريخ والمقدسات والايمان. كما أن تهجير عرب مدينة القدس وتهويدها وضمها لدولة اسرائيل يجسد كامل قصة فلسطين مع الغزوة الصهيونية ويكشف كل ما يحمله المشروع الصهيوني من أبعاد. لانه يعني انكار الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وتصفية قضيته كشقب له الحق في فلسطين وعاصمتها القدس حق الوجود والعيش وحق المواطنية وحق تقرير المصير وحق السيادة عليها.
ولهذا لا يكون التركيز على قضية القدس الا المدخل الاول الى القضية الفلسطينية برمتها، وما تأكيد حق الشعب الفلسطيني فيها الا تكريس لحقوقه الثابتة على مستوى القضية الفلسطينية بكل أبعادها.
أ- القدس ما بين عام 1947 وعام 1967 : وضعت خطة الاستيلاء الصهيوني على المدينة المقدسة ضمن المخطط العام لاحتلال فلسطين أي منذ صدور تصريح بلفور ورعاية السلطات البريطانية اقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، في صورة مناقضة لالتزامات الحلفاء ووعودهم بالاستقلال او على الاقل حق تقرير المصير.
وقد سعت الحكومة البريطانية خلال فترة الانتداب في مشاريعها المتعددة للمسألة الفلسطينية، الى فصل منطقة القدس ووضعها تحت الادارة البريطانية بدعوى القيام بدور الحكم في الصراع العربي الصهيوني. وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الاتجاه في قرارها القاضي بتقسيم فلسطين 29/11/1947. فوضعت للمدينة (القدس بكاملها وما فيها من الاحياء القديمة والحديثة عربية ويهودية، والقرى والمدن المحيطة بالمدينة بما فيها بيت لحم) نظاما دوليا خاصا وضح بخريطة الحقت بالقرار. وقضى القرار ربط القدس بالمنطقتين العربية واليهودية المجاورتين في اتحاد اقتصادي.
ربما رأى البعض الآن بقرار تدويل القدس حالة أفضل من حالة تهويد المدينة وضمها للدولة الاسرائيلية. ولكن بالرغم من هذه الفاصلة يجب أن يسجل على ذلك القرار أنه مجحفا بحقوق الشعب الفلسطيني، ومهد جنبا الى جنب مع قرار التقسيم لقيام الدولة الاسرائيلية وتشريد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك اغتصاب القدس
في الواقع لم يكن هنالك من مسوغ لتدويل القدس بحجة حماية الأماكن المقدسة وتأمين الوصول اليها للجميع لأن حق سيادة شعب فلسطين عليها أمر لا يجوز الانقاص منه. كما ثبت تاريخيا أن وجود المدينة في الأيدي الاسلامية العربية قد حافط على مقدساتها وأمن للجميع حرية الوصول اليها وممارسة شعائرها بكل حرية، حتى غدا تقليدا عربيا شاع قبل قيام أيه أنظمة دولية أو قواعد مكتوبة لرعاية حقوق الطوائف والأقليات وحماية أماكن العبادة وضمان مرور الحجاج. وحظيت هذه الحالة برضى الناس عموما، ولم تثر مشكلة الاماكن المقدسة خلال السيادى العربية الا في القرن التاسع عشر نتيجة التدخلات والاطماع الاجنبية.
بدأت قضية القدس، وهي احدى القضايا الاساسية المتفرعة من القضية الفلسطينية الرئيسية، تبرز على المسرح الدولي، وتشد اليها أوساط الامم المتحدة بأجهزتها المختلفة وتشغل تفكير عدد من الكتاب في العام المهتمين بالقضية لاغراض انسانية وحضارية.
ظل نظام التدويل الذي تبنته الأمم المتحدة، قائما نظريا، ورفض العرب قرار التقسيم بما فيه تدويل القدس، وانقسم موقف الصهيونيين تجاه التدويل ولكنهم قبلوا به للحصول على الاصوات المطلوبة لاقرار المشروع وضمان "الشرعية" لاقامة دولتهم. ونشبت الحرب قبل خروج القوات البريطانية من فلسطين، وكانت القدس الهدف الاول في المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين.
سهلت سلطات الانتداب للمنظمات الصهيونية احتلال معظم قطاعات المدينة الحديثة التي تم الاستيلاء عليها قبل انتهاء الانتداب البريطاني وسميا. وكانت مذبحة دير ياسين يوم 9 نيسان 1948 التي قامت بها منظمة ارغون الصهيونية احدا الخطوات لقرض الهجرة العربية. واستطاع أهل القدس بالتعاون مع فئات من الجهاد المقدس وقوات جيش الانقاذ الاردني الصمود في قلب المدينة القديمة. وفي خضم هذه الاحداث انهى مجلس الوصاية (الذي أقر انشاءه نظام التدويل) بحث مشروع النظام الخاص بمنطقة القدس الدولية وتقدم به الى الجمعية العامة لاقراره 21/4/1948 وتعيين حاكم للمدينة. غير أن الجمعية العامة- خلال انعقادها في دورة استثنائية لبحث قضية فلسطين- شغلت بمحاولة اقرار هدنة في المدينة المقدسة عن طريق قناصل الدول أعضاء مجلس الأمن فيها، أو حماية جمعية الصليب الأحمر الدولية فيها.
ولما فشلت هذه الجهود أوصت الجمعية العامة في 6/5/1948 حكومة الانتداب تعيين حاكم محايد لادارة الأمور في القدس لحماية الأماكن المقدسة فيها ولكنه طلب اعفاءه من منصبه لفشله في التوفيق.
وكاد الجانب العربي بعد 15 أيار/مايو 1948 أن يسجل نصرا في القدس لولا اعلان الهدنة الاولي التي مكنت الجانب الصهيوني من تعديل موقفه وتوجيه هجوم جديد وجاءت الهدنة الثانية فاوقفت القتال.
وقد عهدت الجمعية العامة الى الكونت فولك برنادوت وسيط الأمم المتحدة العمل على ايجاد تسوية سلمية للموقف في فلسطين مستقبلا مع ضمان حماية الأماكن المقدسة.
قدم برنادوت مقترحاته بشان القدس، وكانت جزءا من مقترحات عامة لتسوية قضية فلسطين (شرحها في مجلس الأمن 8/7/1948) وتلخصت مقترحاته في ضم القجس للاقليم العربي، مع حكم ذاتي بلدي للطوائف اليهودية، وترتيبات خاصة لحماية الأماكن المقدسة، وكانت وجهة نظره أن القدس تقع في وسط الاقليم العربي وأن أية محاولة لعزلها سياسيا أو غير ذلك عن الاقليم العربي المحيط بها تنطوي على صعاب جمة.
ومع أن الوسيط الدولي قد عاد فيما بعد-وخاصة مع انقلاب موازين القوى لصالح الصهيونيين- الى مشروع التدويل، فان موقفه الاول أدى الى مقتله على يد الصهيونيين في 17/9/1948 في القدس.
كرست اتفاقية وفق اطلاق النار 30/11/1948 واتفاقية الهدنة 3/4/1949 تقسيما واقعيا للمدينة، على أساس مواقع الطرفين في المدينة المقدسة.
وقد وافقت وفود الدول العربية لدى اجتماعاتها بلجنة التوفيق ( التي تكونت بقرار من الجمعية العامة في 11/12/1948 من أجل ايجاد حل للقضية بشكل عام ووضع نظام دائم لتدويل منطقة القدس بوجه خاص) وافقت على فكرة التدويل التام لمنطقة القدس على أساس وحدتها ودون تقسيم الأماكن المقدسة فيها. وقدم الجانب الاسرائيلي اقتراحاته على أساس الأخذ بالوضع الراهن في المدينة مع قصر التدويل على الأماكن المقدسة في البلدة القديمة (داخل السور) وتوصلت لجنة التوفيق الى مشروع يعترف بالوضع الراهن بحيث يعهد الى السلطات العربية والاسرائيلية بادارة المناطق التابعة لكل منهما. ومع ذلك لم يتضمن المشروع المذكور الغاء لقرار التدويل. ونوه صراحة بانه لا يحق لأي من الطرفين أن يتخذ القدس عاصمة له.
رفضت الدول العربية هذا المشروع كما رفضه الجانب الاسرائيلي ورفضته الجمعية العامة 9/12/1949 لخروجه عن فكرة التدويل الأصلي. ونتيجة للاعتبارات التي أملتها رغبة الرأي العام ولا سيما الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذاحلا موقعاحلا موقعية، اتخذت الجمعية العامة في نفس التاريخ 9/12/1949 قرار اكدت فيه عزمها على وضع منطقة القدس تحت نظام دولي يضمن حماية الأماكن المقدسة داخل مدينة القدس وخارجها وعهدت الى مجلس الوصاية من جديد لوضع دستور القدس.
انتهى مجلس الوصاية من صياغة النظام واقراره (43 مادة)، واثناء مناقشة وضع الاسس والمبادئ الخاصة بالتدويل، أصدر البرلمان الاسرائيلي (الكنيست ) في 11/12/1949 قرارا باعلان القدس عاصمة لاسرائيل تمشيا مع سياسة الأمر الواقع وتحديا للمجتمع الدولي، مع ا، الفقه والعمل الدوليين قد استقرا على أن الطبيعة المؤقتة للاحتلال لا تاحلا موقعاحلا موقعاحلا موقع المحتل مباشرة سلطة سيادة قانونية أو دائمة على الاقليم المحتل، أو الحق في اجراء تغييرات في التشريعات والقوانين أو الا,ضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية.
واحتج مجلس الوصاية على الاجراءات الاسرائيلية واحال مشروع النظام المعدل في 14/6/1950 إلى الجمعية العامة في دورتها الخاصة. ولم تبت الجمعية في تقرير مجلس الوصاية، تحت حجة الانشغال بمسائل دولية اخرى، وامتنعت الوفود العربية في الجمعية العامة عن تقديم أية مشروعات قد تنتقص في قرارات التدويل السابقة، ومن دستور القدس الذي أقره مجلس الوصاية خشية أن يؤدي أي اتفاق الى تقسيم القدس نهائيا.
تجمد موضوع قضية القدس، شأنه شأن قضية فلسطين، أثر ذلك في الأمم المتحدة فلم يبحث نهائيا في الدورات التالية، وهذا يعني أنه قائم انما يفتقر الى التنفيذ، كواحد من قرارات كثيرة اتخذت بشأن القضية الفلسطينية. وقد مضت اسرائيل في فرض الأمر وتحدي قرار الامم المتحدة بالتدويل. فأتمت نقل مقر الحكومة من تل أبيب الى القدس، كما نقلت اليها الكنيست بصفة مؤقتة 1952 (تم انشاء بناء خاص له 30/8/1966)، كجزء من مخطط لنقل جميع الوزارات والمصالح الحكومية لها فيما بعد.
رفضت أكثرية الدول اقامة سفاراتها في القدس، ولكن اسرائيل سعت الى أن يقدم السفراء الأجانب أوراق اعتمادهم بالقدس الاسرائيلية. وبدأت اقامة عرض عسكري في مايو/أيار كل عام دون أن تحفل باستنكار مجلس الأمن لهذه الخطوة.
ولدعم مركز اسرائيل في القدس الجديدة قامت سلطات الاحتلال في الفترة بين 1948-1967 بعدد من الاجراءات رمت الى تهويدها بعد أن هجرت سكانها العرب. وكانت هذه الاجراءات جزءا من اجراءاتها ضد المناطق المحتلة. وقد استندت فيها الى قانون أموال الغائبين ( 31/3/1950) الذي صادرت بموجبه كل أملاك اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا الى ترك ديارهم، بالاضافة الى أملاك السكان العرب الذين بقوا تحت الحكم الاسرائيلي ولكن اضطروا الى تغيير أماكن اقامتهم. ويتضمن هذا القانون تعليمات غريبة صيغت بشكل كان الهدف منه تسهيل مصادرة أكبر مساحة ممكنة من الاراضي العربية. وقد قدرت الاراضي الخاصة بالعرب في القدس الجديدة 80 % كما أن ثلثي المساحة المبنية في القدس الجديدة ملك العرب.
حرمت السلطات الاسرائيلية اللاجئين من حق العودة طبقا لقرار الجمعية العامة رقم 194 بتاريخ 11/12/1948، وقد بلغ عدد اللاجئين من أهل القدس 000ر70 (كان عدد سكان القدس قد بلغ في نهاية 1946 590ر150 من العرب و520ر102 من اليهود) في حين فتحت السلطات باب الهجرة اليهودية فبلغ عدد السكان اليهود في القدس قبل حرب 1967 000ر190.
يرسم الحال الذي آلت اليه القدس الجديدة من 1948-1967 تحت السيطرة الاسرائيلية، صورة مرعبة لما يعنيه المشروع الصهيوني بالنسبة الى المدينة المقدسة. فقد خلت تلك الاحياء العربية التي شكلت القسم الأعظم من المدينة الجديدة من سكانها العرب مسلمين ومسيحيين ولم تعد جوامعها وكنائسها تعج بالمؤمنين وانما أصبحت مهجورة.
وصبغت المدينة بصبغة يهودية ذات طابع غربي بأغلبها. مما أفقدها كل صلى بالتاريخ وبالاسلام والمسيحية. فلم تعد هي القدس وانما مدينة اخرى!
ب- القدس واجراءات "ضم" والتهويد الاسرائيلية عام 1967 :
في حيزران/يونيو 1967 تفجرت قضية القدس من جديد، بعد أن بدا وكان ستارا قد اسدل على موضوع القدس، وقد باشرت السلطات الاسرائيلية بتثبيت أقدامها في الاراضي المحتلة للاحتفاظ بكامل المكاسب الاقليمية والسياسية التي أحرزتها في الحرب والتملص من الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والأعراف الدولية وبعد أن تم احتلال الجزء الثاني من القدس دخلت المدينة في دائرة التغييرات الاسرائيلية "التي تناولت جميع الأراضي المحتلة الا أنه نظرا للأهمية التي تشغلها القدس في التفكير الصهيوني سار العمل فيها بخطوات أسرع، فعمدت السلطات الاسرائيلية بعد الاحتلال الى تنفيذ المخطط الذي رسم من قبل لتهجير عرب المدينة المقدسة وتغيير ملامحها وتهويدها وجعلها عاصمة لاسرائيل.
أوكلت الحكومة الى لجنة خاصة شؤون القدس، وعمدت، بحجة توحيد المدينة الى هدم السور الجديد الذي كان يفصل بين شطري المدينة (وكان قد اقيم بعد عام 1948 لوقف عمليات القنص). وعهدت الى تيدي كوليك برئاسة بلدية القدس الموحدة، واستمرت في استكمال نقل الوزارات العاملة في تل ابيب مع موظفيها اليها.
وفي وقت ما زالت قضية العدوان مطروحة فيه أمام الجمعية العامة (دورتها الاستثنائية الخامسة فس 27 حزيران) أصدرت اسرائيل سلسلة من القرارات هدفها ضم القدس العربية والمنطقة المحيطة بها الى الحكم الاسرائيلي المباشر، وعزلها عن المحيط العربي المجاور، والغاء الوجود العربي فيها بتطبيق الانظمة الادارية والقضائية الاسرائيلية واتخاذ كافة الاجراءات الكفيلة بتهويد المدينة، علما بأن هذه القرارات تتعارض مع المواثيق الدولية التي تحظر على السلطة تغيير القوانين أو فرض قوانين جديدة.
كانت قرارات ضم القدس (1) الى اسرائيل تسير جنبا الى جنب، مع الاجراءات العملية في هذا الصدد، وهي تسبقها تارة وتتأخر عنها طورا، في ضوء العقبات أو المستجدات التي كان الكيان الصهيوني يواجهها على هذا الصعيد اصدروا هذه القرارات بعد نحو اسبوعين من انتهاء القتال لاضفاء الشرعية على ما كانت السلطات العسكرية الاسرائيلية تتخذه في اجراءات ضم عملية. ففي 27/6/1967 صادق الكنيست على مشروع قانون كانت الحكومة قد تقدمت به، يقضي بتعديل قانون أنظمة السلطة والقضاء لسنة 1948 وبهذا منحت سلطات الاحتلال لنفسها حق ضم الاجزاء من "أرض اسرائيل" "كما تراه مناسبا بمجرد اصدارها مرسوما في ذا الصدد. وفي اليوم التالي 28/6/1967، أصدرت الحكومة مرسوما بشأن سريان "قانون
(1) حول القوانين الاسرائيلية "صبري جريس" شؤون فلسطين عدد 106 ايلول 1980 بالاضافة الى كتابات أمين القدس روحي الخطيب.
الدولة وقضائها وادارتها" على مساحة تبلغ 70 ألف دونم، تضم القدس القديمة بأكملها ومناطق واسعة محيطة بها، تمتد من صورباهر وبيت صفافا في الجنوب، الى مطار وقرية قلندية في الشمال، وبيت حنينا غربا، وقرى الطور والعيزرية وعناتا والرام شرقا، ويقطنها حوالي 000ر100 عربي.
وفي الجلسة نفسها التي أقر فيها الكنيست تعديل قانون أنظمة السلطة والقضاء صادق على تعديل لقانون البلديات، للتمهيد لالحاق القدس القديمة بمنطقة صلاحية مجلس بلدية القدس اليهودية يسمح لوزير الداخلية "حسب تقديره ودون اجراء أي تحقيق... أن يصدر اعلانا يوسع فيه منطقة اختصاص بلدية ما بواسطة ضم مساحة تحددت في مرسوم صادر بموجب قانون أنظمة السلطة والقضاء المذكور". وفي اليوم التالي أي 28/6/1967 نشر وزير الداخلية اعلانا في الجريدة الرسمية بشأن توسيع حدود بلدية القدس. ضمت بموجبه كامل المنطقة التي حددتها الحكومة سابقا بمرسوم الى منطقة بلدية القدس، تحت اشراف مجلس البلدية الاسرائيلي. وبذلك تكون القدس العربية قد أصبحت من وجهة نظر القوانين الاسرائيلية جزءا من اسرائيل تابعا للقدس الكبرى"الموحدة الى الأبد".
وتبع ذلك حل امانة القدس وضمها الى بلدية القدس الجديدة. وحاولت سلطات الاحتلال اشراك بعض العرب في مجلس البلدية برئاسة تيدي كوليك إلا أن ذلك احبط بسبب المعارضة الجماعية لسكان القدس العرب. ولهذا لم يستطع الاغتصاب طلاء وجهه بالمساحيق.
وصدر قانون جديد في صفوف 1968 هو قانون التنظيمات القانونية والادارية كان الهدف منه حمل السكان العرب على التكيف مع عمليات الضم. وقد ظنت سلطات الاحتلال أن اعطاء بعض المكاسب الجزئية لأهالي القدس سيدفعهم الى السكون على ما يجري من تهويد لمدينتهم المقدسة. وقد عبر عن ذلك عدة مواد في القانون الجديد تناولت مشاكل متعلقة بأملاك الغائبين، وتنظيم الشركات ثم استكمل ذلك في تعديل صدر في صيف 1973. كما صدر تعديل في العام نفسه لقرار الكنيست المتعلق باشراك العرب بالانتخابات البلدية، بغية انتزاع الاعتراف، عمليا بضم القدس. واتبع ذلك بتهديد يقضي بمعاقبة كل من لا يشترك بالانتخابات. ويدخل ضمن هذا السياق تعديل قانون أموال الغائبين لسنة 1948 بصدور قانون لسنة 1973 يقضي بدفع تعويضات. وحددت مادته الرابعة عشرة مدة ثلاث سنوات لتقديم التعويض. ثم اضطرت السلطات الاسرائيلية عام 1976 الى تعديل القانون مرة اخرى بتمديد مهلة تقديم طلبات تعويض نظرا لعدم استجابة عرب القدس لتعليمات القانون ورفضهم تقديم طلبات التعويض. وما كانت هطه الباسلة الجماعية أو شبه الجماعية التي أبداها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الا جزءا من المقاومة الشاملة التي يخوضها في كل المجالات. مما أحبط أهداف تلك القوانين التي أرادت لهم التكيف مع الضم أو السكوت عليه.
على أن العدو الصهيوني استمر باجراءاته فتوجه بقانون "القدس" الذي أقره الكنيست في 31 تموز 1980 وقد نص على ما يلي :
1- أن القدس الكاملة والموحدة عاصمة اسرائيل
2- القدس هي مقر الرئيس والكنيست والحكومة والمحكمة العليا
3-تحمى الأماكن المقدسة من أي تدنيس أو أي مساس بأي شكل. أو أي شيء من شأنه أن يمس بحرية وصول أبناء كافى الطوائف الى الأماكن المقدسة أو بنظرتهم لها.
4- ستحرص الحكومة على تنمية القدس وازدهارها وتوفير الرخاء لسكانها بواسطة تخصيص موارد خاصة، ولاسيما منحة سنوية خاصة لبلدية القدسن بمصادقة لجنة الكنيست المالية.
ويفترض في هذا القانون، باعتباره أساسيا أن يصبح وفقا للنظم الدستورية الاسرائيلية جزءا من دستور اسرائيل عند وضعه. ومع اقرار هذا القانون تكون عملية تهويد القدس قد سارت خطوة جديدة، ذلك أن اجراءات الضم الاسرائيلي للقدس عملية كانت أم قانونية، مستمرة منذ احتلال المدينة دون انقطاع، ولا يمكن اعتبار القانون الأخير أكثر من تشريع يكرس اجراءات الشم الاسرائيلية، القديمة منها والمستمرة. وتحت ظلال قرار الكنيست، أظهر استفتاء أجراه معهد سميث تجاه مصير الاراضي المحتلة وبوجه خاص القدس فالاكثرية الساحقة ليست على استعداد لتقديم تنازلات في القدس العربية مقابل تحقيق "سلام" مع الاردن، بينما أيد 5 % أحداث تنازلات جزئية في المدينة، ولم يقف الى جانب التخلي عنها مقابل السلام سوى 2 % ولو قورن باستفتاء جرى عام 1977 لتبين أن موقف الرأي العام أصبح أكثر تطرفا.
جـ - الاستيطان الصهيوني في القدس وتهويدها :
لم تبدأ خطة الاستيطان الصهيوني وتهجير الفلسطينيين مع عدوان 1967 أو مع الحكومات التي تعاقبت في الحكم في اسرائيل منذ عام 1948، إذ هما أساس الفكرة الصهيونية من أجل الاستيلاء على فلسطين بمثابة مستوطنات صهيونية ما لبثت أن تحولت الى دولة بالقوة عام 1948. وأصبح الاستيطان أهم مهامها وأخذ زعماؤها استكمالا للتوسع البشري يخططون لتحقيق التوسع الجغرافي وبعد عدوان 1967 تمسكت اسرائيل بمبدأ عدم العودة الى حدود 4 حزيران وامتزجت الحجج الأمنية بادعاءات اقتصادية ودينية. ولتثبت التوسع الاقليمي شرعت في خلق حقائق استيطانية بشكل مكثف في بعض المناطق العربية المحتلة. وتولت زرع ما يزيد على تسعين مستوطنة جديدة مختلفة من حيث من الحجم والنوعية (مستوطنات زراعية وقرى صناعية وقرى صناعية ومراكز مدنية وبلدية ومعسكرات ناحال) وذلك لازالة حدود ما قبل 1967 ووصفت سياسة الزرع هذه بسياسة الضم الزاحف للأراضي العربية. وكان العمل الاستيطاني يتم عىل مستوى رسمي بتوجيه من الحكومة أو برعاية النشاط الاستيطاني غير الرسمي الذي تقوده جماعات متطرفة (مثل جماعة غوش ايمونيم).
اذا كان الهدف الأول والنهائي للاستيطان يتلخص بتهيئة الشروط المؤدية الى التهويد الكامل بما في ذلك الحلول محل الفلسطينيين وطردهم الى خارج الحدود، فهذا لا يمنع من ملاحظة أهداف ملحقة بالهدف المذكور تراعي المتطلبات الامنية والاستراتيجية والديمغرافية والاقتصادية من أجل ترسيخ الاحتلال وتحصينه ضد أية عمليات الفدائيين أو الحروب الكبيرة كما ضد تحركات الجماهير وانتفاضاتها فضلا عن هدفه الذي يضيف على السكان المدنيين ويستفزهم لدفعهم الى الهجرة.
ومن هنا أولت الحكومة الاسرائيلية ومختلف الأجهزة المسؤولة عن الاستيطان الصهيوني اهتماما كبيرا لعمليات الاستيطان داخل أراضي الضفى الغربية وقطاع غزة ضمن مخطط يحمل الهدف الاول والنهائي وهو تهجير الفلسطينيين وضم المناطق وتهويدها، كما يحمل الأهداف المتعلقة بالاعتبارات العسكرية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، بما في ذلك خلق وقائع تجمع القيادة الاسرائيلية جميعا على عدم المساس بها في حالة التوصل لأية تسوية.
واعتبرت حكومة الليكود الأراضي الفلسطينية المحتلة أراضي محررة وجزءا لا يتجزأ من اسرائيل ولابد من استكمال استيطانها وبالتالي تهويدها وفي اطار عمل كامب ديفيد، لم تقدم اسرائيل أية التزامات على الاطلاق فيما يتعلق بتصفية شبكة المستوطنات التي زرعتها في الضفة الغربية وغزة وهي المناطق التي يقترح أن تقام فيها سلطة الحكم الذاتي.
واحتدم الجدل حول ما تم فعلا الاتفاق عليه فيما يتعلق بالمستوطنات وهل ما اذا كان تجميد انشاء مستوطنات جديدة ينطبق فقط على فترة الأشهر الثلاثة التي يجب أن تجرى فيها المفاوضات حول سلام مصري -اسرائيلي منفصل، أم ينطبق على الفترة التي تجرى خلالها المفاوضات الثلاثية، المقترحة حول شروط اقامة سلطة الحكم الذاتي، كذلك لم يتفق على شيء حول المسألة المتصلة بتعزيز المستوطنات القائمة (من حيث تكبير الاراضي أو التوسيع الديمغرافي) خلال الفترة اللاحقة مباشرة أو خلال الفترة الانتقالية. ولكن الذي حدث عمليا هو الاستمرار في التوسع الاستيطاني عمقا وعرضا.
أخذت قضية الاستيطان في القدس والمنطقة المحيطة بها منذ عام 1967 أهمية رئيسية. واتفقت جميع وجهات النظر في اسرائيل على التمسك بالقدي وعلى ان عملية الاستيطان فيها انما تهدف الى جعل القدس يهودية لتصبح العاصمة الحقيقة لدولة اسرائيل. وذلك بالاتيان بربع مليون مهاجر يهودي جديد أو أكثر الى المدينة المقدسة، وامتداد الاستيطان الى ما وراء حدود القدس الحالية لتشمل دائرة تمر بحدود رام الله وبيت لحم والخان الاحمر، أي لتتحول القدس العربية الى جزيرة صغيرة وسط بحر يهودي، وهذا بالتالي سيرسخ عملية التحول الصهيوني للمدينة ويكرس اسرائيل عليها، ويفصلها نهائيا عن المنطقة العربية.
ومنذ حزيران 1967 وضع التخطيط الجديد للقدس لتغطية المدينة كلها وربط شطريها، وقامت باعداد لجنة هندسية اسرائيلية عليا. وحاولت اسرائيل اضفاء الشرعية على ما تنوي تنفيذه، فقام تيدي كوليك رئيس البلدية بتشكيل لجنة استشارية باسم اللجنة الخاصة بالقدس من 42 مهندسا وخبيرا من 19 دولة مختلفة بحجة ان للقدس معنى خاص يتجاوز حدود اسرائيل. ولتغطية الأهداف الحقيقية التي تبغيها اسرائيل بحثت اللجنة في مواضيع أخرى كالعلاقات العربية اليهودية والتعايش السلمي بين الشعبين والنشاطات الدينية في المدينة. وقد عقدت احدى اللجان المتفرعة عن اللجنة الرئيسية ندوة دولية موضوعها القدس عام 2000 ضمت أكثر من عشرين اخصائيا في تخطيط المدن للبحث في التخطيط المعماري الحديد والبرامج والتصميمات التي اعدت لتطوير المدينة. وقدم لهم فريق من المصممين الاسرائيليين رسومات اولية لمشروع تخطيط مدينة القدس، وتتركز الرسومات على المدينة القديمة والمنطقة المحيطة بها، وهي حوالي 10 % من المساحة الكلية للمدينة وبخاصة في مركز المدينة حيث تتواجدالاماكن المقدسة. وادعى واضعوها انها تستهدف السماح بتطوير المنطقة كجز من مدينة القدس الموحدة، مع الاحتفاظ بطابعها وشخصيتها، علما أن الهدف من المخطط نسف طابع القدس وشخصيتها، لأن ذلك لا يستقيم مع التهويد ما دام الطابع اسلاميا عربياوكذلك الشخصية. وأهم النقاط التي تضمنتها الخطة الاسرائيلية لاعادة تخطيط مركزها :
-احاطة أسوار المدينة القديمة بحديقة كبيرة وتغطية الأسوار بالورود والأشجار.
-اظهار حائط المبكى في بعض اجزاء منه بطوله الكامل.
- ازالة كافة المباني القديمة والمتهدمة والاحياء الفقيرة.
- انشاء مركز تجاري رئيسي في وسط المدينة على مسافة تبلغ 2700 دونم وفي حدود تقع ما بين مقبرة مأمن الله الاسلامية غربا وما بين منطقة المستشفى البلدي في طريق يافا شمالا، وبين محطة السكة الحديدية جنوبا وسور القدس وحي وادي الجوز شرقا(1) .
وشرعت اسرائيل بتنفيذ المخطط المعماري الجديد في القدس بدعوى انه من اعداد عبقريات معمارية دولية. واثار المشروع موجة من الانتقادات العالمية لأن جملة ما يهدف له، هدم قسم كبير من المساكن والعقارات العربية داخل السور بحجة انها مكتظة بالسكان وغير صحية وبحاجة لاعادة تخطيط. وهو يستهدف قبل كل شيء تغيير طابع المدينة الديني والتاريخي. وتأجل النظر في المشروع الى أواخر 1974 حين أعلنت سلطات الحتلال عن طرحه مجددا. وتمهيدا للعمل به دعت لعقد المؤتمر الثاني للجنة القدس ( أواخر 1974) ثم المؤتمر الثالث (أواخر 1975) من خبراء عالميين في حقول تخطيط المدن والاهداف والتربية وتاريخ الفن.
والهدف المعلن عن هذين المؤتمرين دراسة طبيعة الجغرافية للمدينة المقدسة وتقديم التوصيات المتعلقة بنخطيطها في المستقبل مع الحافظة على طابع المدينة الديني والتاريخي واحتياجات المدينة الثقافية والتربوية.
ويلاحظ في هوية المشتركين في المؤتمر أنهم من المتعاطفين مع اسرائيل ولا يمثلون هيئة دولية او مؤسسة هندسية او فنية مستقلة ورغم المحاولات الاعلامية لاضفاء الصفة العالمية على هذا المؤتمر جاءت قراراته غير موضوعية وتتعارض مع ابسط مبادئ احترام القيم التاريخية والدينية والفنية لأي تراث حضاري.
ورغم الاحتجاجات والشكاوى العربية نفذت اسرائيل برامجها لتطوير القدس داخل السور وخارجه
في داخل السور أو البلدة القديمة :
بدأ العمل بانشاء حي جديد (هارافع هايهودى) داخل أسوار المدينة القديمة وحي الشرف وذلك بهدف اسكان 600 عائلة يهودية (3500 -5000 نسمة) كبديل للسكان العرب (6000) الذين يقطنون الحيين. وتولت العمل لجنة خاصة "لجنة اعمار وتطوير الحي اليهودي" قامت باخراج العائلات العربية وبناء المساكن الجديدة لليهود المهاجرين بالاضافة الى تخصيص قسم للمباني العامة والحدائق وللاغراض التجارية.
وسارت عملية البناء في الحي اليهودي بصورة واسعة. ووضعت له وزارة الاسكان ميزانية ضخمة. ولكنها جاءت اعادة بناء تشويهية للمدينة عموما وللحي اليهودي نفسه خصوصا، لأن الحي اليهودي القديم كان جزءا من المدينة القديمة يحمل طابعها وشخصيتها.
المناطق التي يشملها المشروع تضم الاحياء العربية التالية : حي باب العمود ، حي الشيخ جراح، واجزاء من احياء المسرارة وسعد وسعيد، باب الخليل وطريق يافا، ساحة الساعة والمنشية ومأمن الله، حي جمعية الشبان، المستشفى الايطالي، المسكوبية. وهي مناطق سكنية تاريخية تشكل امداد للمدينة ويؤدي تغييرملامحها الى تشويه كامل للمدينة القديمة نفسها مع فرض ابقائها على حالها.
كانت هذه مجرد بدايات لمخطط تغيير ملامح القدس القديمة منها جس النبض العالمي وردود فعله لكي تتقرر سرعة المضي بهذا المخطط، ولما قوبل ذلك باستنكار عالمي كبير من العالمين الاسلامي والمسيحي وراح العرب الفلسطينيين يقاومون بكل الوسائل هذه المخططات، اضطرت القيادة الصهيونية الى السير بخطى أبطأ في داخل البلدة القديمة. وركز على اخلاء المساكن القديمة تحت حجة تعرضها لخطر الانهيار بينما استمرت عمليات التضييق بوسائل مختفقة لتهجير سكان المجينة، مما ـثار قلق الفاتيكان من الخطر الماثل بسبب هجرة اعداج من المسيحيين القاطيني في حي النصارى وباب الجديد وباب الخليل وحي الأرمن.
اذا كانت ازالة الاحياء القديمة كما حدث لحي المغاربة وحي الشرف والحي اليهودي قد توفقت مؤقتا فقد توبعت تلك السياسة من خلال تنفيذ ما يسمى مشروع الحزام الأخضر. أي ازالة الأحياء القديمة والمقابر التاريخية المحيطة بسور القدس. وقد اطلق عليه اسم منتزة وولفسون نسبة الى ايزيك وولفسون الامريكي الذي تبرع بالجزء الأكبر لانشائه.
ومنذ عام 1980 بدأ اخلاء السكان العرب من الأحياء الواقعة قرب السور بحجة تجميل القدس، وفي وقت تصاعدت فيه عمليات التهويد بحيث ان المنطقة المحيطة بسور القدس (مثل سلوان، العيزرية، باب الخليل، باب العمود وجبل الزيتون) اعتبرت مناطق خاصة لا يجوز السكن فيها.
وقد جرى حفل افتتاح المشروع في مطلع عام 1974 بتحويل 30 دونم مواجة لسور المدينة القديمة قرب بوابة يافا (باب الخليل) الى حديقة عامة بدعوى ان هذه المناطق لا يملكها أحد.
وأعلن تيدي كوليك ان المشروع سيكون أحد سلسلة مشاريع تحيط بالمدينة القديمة وستوضع على طول السور مقاعد حجرية للاستراحة والتجمعات والمحاضرات وتنظم اليها الزيارات والرحلات، وان منطقة باب الخليل خارج السور (مساحتها 30 دونم) ستحول الى حديقة عامة باسم بيت السلام.
ومنذ نهاية عام 1985 افتتحت حملة جمع التبرعات لاقامة منتزه كبير في حي العمرية يدعى منتزه "جرس الحرية" يمتد على مساحة واسعة قرب محطة القطارات في القدس، كجزء من المشروع الكبير حول السور، واحتفل بتدشين المنتزه في يناير/كانون الثاني 1976 (مناسبة الاحتفال بمرور 200 سنة على استقلال الولايات المتحدة. ولاشك ان الهدف الاساسي من وراء هذه المشاريع ليس تجميل المدينة بل تهويدها وتجريد السكان العرب من اراضيهم ومساكنهم لاجبارهم على الهجرة.